سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
223
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
يصيب المليون من النفوس إلا أقل من مائتين نفر من الإنجليز . فلو كان ذلك المليون من الناس ذبابا لأصم آذان المائتين بطنينه أو لو كان غنماً لبقر بطونهم بصغار قرونه ! مع أنه يوجد من الممالك الصغيرة التي لها نوع من الاستقلال وتخشى زوال ما بقي لها ما لو جمعت قواها لبلغت أزيد من ثلاثمائة ألف جندي ، هذا فضلا عمن يمكنه حمل السلاح من أهالي البلاد التي دخخلت في حوزة الحكومة الإنجليزى وزال استقلالها بالمرة . فلولا « الوهم » الذي استولى على المشاعر والحواس و « الجبن » الذي أطار النفوس شعاعاً حتى أذهلها عما بين يديها ، بل عما هو موجود فيها . إن هذه النفوس الكثيرة العدد ، الفائقة القوة وهم في قبضة قوم ضعاف يسومونهم عذاب الذل والهوان فلو لمح أولئك المساكين أنفسهم لمحة اعتبار وأدركوا ما آتاهم اللَّه من القوة الطبيعية لانكشف لهم ضعف الإنجليز وبرز لهم عامل الخلاص متجليا بين أيديهم وملجأ النجاة تحت أرجلهم وعلموا أن استقلالهم لأنفسهم وبلادهم لا يحتاج إلى تجشم تعقب ولا تكلف مشقة ولا يدعو إلى بذل أموال وافرة ولا سفك دماء غزيرة أكثر مما سفك جورج واشنطون رجل أمريكا ومحررها من نير الإنجليز ! « يوجد في الدول الأوروبية من يهاب دولة الإنجليز اعتبارا لما في سلطتها من الممالك الواسعة والأمم العظيمة مما لم يلغ عدّه رعية دولة ، أو ثلاث دول من أوروبا ويقيس وضعها وقوتها في تلك الأطراف القاصية بما يراه في جزائر بريطانيا ويغفل عن مقاومة جزيرة « أيرلاندا » مع قربها من مجمع القوة الإنجليزية ، ويظن أن لها قدرة على الدفاع عن تلك الممالك ، تساوى قدرتها عليه في بريطانيا أو تقرب منها ولم يلتفت إلى أن جسم الدولة الإنجليزية قد مد في الطول والعرض إلى حد لو حصلت فيه أدنى هزة لتقطعت أو صاله وتبعثرت أجزاؤه وتفرقت قواهم في بسيط الأرض حتى لم يبق لهم في موضع قوة يخشى بأسها ورعاياهم في كل صقع في ضجر وتذمر وتململ لا مزيد عليه ، يترقبون في كل آن زحفا من خارج يعينهم على ما يقصدون من النكاية بحكامهم الظالمين . لو التفتت تلك الدولة التي تهاب إنجلترا إلى حقيقة الأمر لما احتاجت إلى دقة الفكر وتأخير الأمر لولا حجاب الوهم ! ! قاتل اللَّه الوهم .